حيث تتنفس مصر بعيدًا عن الزحام ليست كل الرحلات إلى مصر تبدأ من الأهرامات أو تنتهي عند المتحف… هناك رحلة أخرى مختلفة كليًا، لا تحتاج إلى تذاكر دخول أو طوابير انتظار، فقط تحتاج إلى قلبٍ مفتوح، ونفس تتوق إلى السلام إنها رحلة إلى حضن الطبيعة تلك الطبيعة المصرية التي كثيرًا ما نغفل عنها وسط صخب المدن، لكنها ما زالت هناك، تناديك من بعيد واحات، جبال، بحيرات، رمال ناعمة، ونخيل يهمس في الهواء إنها مصر التي لم تُكتب في الكتيبات السياحية، بل كُتبت على صفحة الريح والشمس والماء واحة الفرافرة: حلم في قلب الصحراء البيضاء في أقصى غرب مصر، وبين كثبان الرمال الذهبية، تختبئ واحة الفرافرة كحلم بدوي هادئ لكن السرّ لا يكمن فقط في الواحة، بل في ما يحيطها من معجزات طبيعية قلّ مثيلها على وجه الأرض الصحراء البيضاء… تلك المساحات الشاسعة التي يغطيها حجر جيري ناصع البياض، منحوت بفعل الرياح في أشكال خيالية: فطر عملاق، صقر حجري، أشباح صامتة هناك، تشعر أنك على كوكب آخر، أو ربما… في حلم لا يُريد أن ينتهي والأجمل أنك لا تسمع سوى صوت الريح… وصوت قلبك وهو يهدأ واحة سيوة: سحر البدائية وعبق الزيتون تبعد أكثر من 700 كم عن القاهرة، لكنها تقترب منك كلما ابتعدت عن كل شيء آخر سيوة ليست مجرد واحة، بل عالم مستقل له لغته، ومأكولاته، وعمقه التاريخي الطبيعة في سيوة ليست خلفية، بل بطل الرواية عيون مياه كبريتية وبحيرات مالحة تعكس زرقة السماء، وجبال من الملح تتلألأ تحت الشمس، وبساتين نخيل وزيتون تمتد حتى الأفق وفي قلبها، تقع مدينة شالي القديمة، التي تبدو كأنها نبتت من الأرض لا بُنيت فوقها في سيوة، تسير على مهل… تأكل على مهل… تفكر على مهل كل شيء يدعوك إلى الهدوء والتأمل، والانغماس في إيقاع الطبيعة البسيط والدافئ بحيرة قارون: مرآة الفيوم القديمة في محافظة الفيوم، تبسط بحيرة قارون ذراعيها في هدوء ملكي رغم أنها واحدة من أقدم البحيرات الطبيعية في العالم، فإنها ما زالت محتفظة بجمالها الفريد، خاصة وقت الغروب، حين تتحول إلى مرآة ذهبية تعكس لهب الشمس الأخير وحول البحيرة، تنتشر محميات طبيعية مثل وادي الريان ووادي الحيتان، حيث يمكنك رؤية حفريات لحيتان كانت تسبح في هذه الأرض قبل ملايين السنين هنا تكتشف أن الزمن نفسه جزء من الطبيعة المصرية… وأن الرمال تعرف أكثر مما نعتقد جبال سانت كاترين: صلاة في قلب الجرانيت في جنوب سيناء، ترتفع جبال سانت كاترين شامخة في صمت مهيب ليست جبالًا عادية، بل جبال مقدّسة مرّ بها الأنبياء، وتاه فيها المتصوفة، وتنسك فيها الرهبان هنا، لا تتسلق فقط، بل تصعد في داخلك أيضًا الهواء رقيق، والصوت غائب، والنور له نكهة مختلفة تمامًا وعلى قمة جبل موسى، تقف لترى شروق الشمس كما لم تره من قبل… شمسٌ تولد من وراء الصخور، وتفتح لك نافذة على معنى جديد للسكينة وادي الجمال – حين تلتقي الجبال بالبحر على سواحل البحر الأحمر، بين مرسى علم وجبال الصحراء الشرقية، يمتد وادي الجمال كلوحة فنية حيّة مكان تتجاور فيه الرمال الصفراء، والمياه الفيروزية، والشعاب المرجانية، وأسراب الطيور… دون أي نشاز هنا يعيش الظباء، والمها العربي، والنسور، جنبًا إلى جنب مع البدو الذين حافظوا على المكان ككنز طبيعي لا يُقدّر بثمن التنزه في وادي الجمال يشبه المرور داخل قصيدة مكتوبة بلغة الطبيعة لماذا نعود للطبيعة؟ ولماذا الآن؟ لأننا في عالمٍ أصبح مزدحمًا جدًا، وصاخبًا جدًا – بحاجة إلى مساحة مساحة نستعيد فيها أنفاسنا، وتوازننا، وإنسانيتنا الطبيعة المصرية، بكل تنوعها وجمالها وهدوئها، تمنحنا تلك المساحة تدعونا إلى أن نُبطئ الخطى، أن نراقب الغروب بلا هواتف، أن نسمع صوت الصمت دون قلق، أن نعيش ليومٍ واحد كما عاش أجدادنا… قريبين من الأرض والسماء السياحة في مصر ليست فقط آثارًا… بل أرواح أماكن مصر ليست فقط ما صنعه الإنسان بل أيضًا ما صاغته الطبيعة بيدٍ حكيمة، وصبرٍ طويل، وشغف بالجمال الصامت في حضن الطبيعة، تجد نسخة أخرى من مصر نقية، رقيقة، بلا تكلف مصر التي تُحبك بلا كلمات

_1599390662.jpg)