عندما تُذكر مصر، تتداعى إلى الأذهان صور الأهرامات الشامخة، والمعابد المزخرفة، ومراكب الفلوكة تسبح بهدوء على صفحة النيل لكن خلف هذه الصورة الكلاسيكية، هناك مصر أخرى… لا تراها العيون السطحية، ولا تقودك إليها الكاميرا، بل تفتح لك أبوابها حين تُصغي باحترام "مصر كما لم ترُا" هي تلك اللحظة التي تتسلل فيها الدهشة من بين طيات اليوم العادي هي الهمسة القديمة التي تصعد من الحجارة، والنظرة العميقة في عيون إنسان بسيط هي البلد التي كلما ظننت أنك عرفتها، أظهرت لك وجهًا جديدًا، أعمق، وأصدق مصر هى التي تسكن بين السطور في زوايا القرى الصغيرة، في صوت الأذان الممتزج بصوت الباعة، في النخيل الواقف على ضفاف الترع، هناك مصر الحقيقية… غير المتكلّفة، غير المصمّمة، بل العفوية النابضة بالصدق ليست فقط معابد وآثارًا، بل جدران متهالكة تحتفظ بضحكات الأجداد، وأحجار دافئة تنام عليها القطط، وسيدة تضع يدها في العجين وهي تغني أغنية لم تُسجلها إذاعة الصحراء… كأنها تحفظ سرًّا جرب أن تسير داخل الصحراء الغربية، أو أن تزور واحة الفرافرة القديمة، أو أن تجلس ليلًا على رمال سيوة ستشعر أن الصمت هناك ليس خلوًا… بل امتلاء كل ذرة رمل، كل نجم، كل نسمة هواء، تحمل قصة من زمن لا نعرفه… لكنها تعرفنا مصر ليست فقط بلد التاريخ بل بلد الزمن نفسه زمن يعيش في كل شق في الأرض، وكل نقشة على جدار، وكل ظل في جبل الطير، أو كهف في جبل الدست الوجه غير الرسمي للجمال الجمال في مصر لا يرتدي بزّات فاخرة بل يلبس جلابية فضفاضة، ويجلس على كرسي خشبي أمام قهوة بلدي، يبتسم بدون سبب، ويشاركك الشاي وكأنكما أصدقاء منذ زمن في السوق الشعبي، في أهازيج الزفة النوبية، في دبكة سيناء على الرمال تدرك أن مصر ليست بلدًا "جميلًا" فقط، بل بلد "صادق" لا تحتاج خريطة… فقط عينًا مختلفة ولا تحتاج عينًا مفتوحة على التفاصيل، وقلبًا مُشتاقًا للدهشة بلد لا تسافر إليها … بل تعود إليها، كأنك كنت هناك منذ زمن بعيد، ولم تغادر أبدًا

_1599390662.jpg)