حين كانت الشفاء علماً مقدسًا في زمنٍ لم تكن فيه أدوات الجراحة المتقدمة قد وُجدت، ولا معامل الأدوية الحديثة قد ظهرت، كانت مصر القديمة منارة للعلم، يتوافد إليها طلاب المعرفة من كل حدب وصوب لم يكن الطب في مصر القديمة مجرد علاج للأوجاع، بل كان فلسفة متكاملة، تمزج بين الجسد والروح، بين العلوم والدين، بين الأعشاب والطقوس الطب علمٌ من علوم الآلهة في فكر المصري القديم، لم يكن المرض مجرد خلل عضوي، بل ربما كان رسالة من الآلهة، أو اضطرابًا في توازن الكون الداخلي لذلك، ارتبط الطب بالكهنة، وكان المعبد هو أول مستشفى، والكاتب هو أول طبيب، والمخطوط هو أول وصفة أشهر الآلهة المرتبطة بالطب كان الإله تحوت، إله الحكمة والكتابة، والإلهة سخمت، ربة الشفاء والحرب، التي قيل إنها تحمل المرض والشفاء معًا البرديات الطبية كنوز المعرفة لم تُترك ممارسات الطب في مصر القديمة للصدفة، بل دُوّنت بعناية في برديات طبية نادرة، أبرزها: بردية إيبرس: أقدم وأضخم مرجع طبي، يعود تاريخه إلى حوالي 1550 ق.م، ويحتوي على أكثر من 700 وصفة طبية بردية إدوين سميث: أول وثيقة في تاريخ الجراحة، تتعامل مع الحالات بواقعية علمية مدهشة، وتفصل بين التشخيص والعلاج بردية كاهون: متخصصة في طب النساء والتوليد، وهو ما يدل على تقدمهم المذهل في هذا المجال أدوات وأدوية بمقاييس علمية كان الأطباء في مصر القديمة يستخدمون أدوات جراحية بدائية الشكل، لكنها فعالة مشارط، ملقاط، إبر، ملاعق، وأسطوانات خشبية لفتح الجروح أو تنظيفها أما الأدوية فكانت تعتمد على الطبيعة العسل: كمضاد للميكروبات الصمغ والأعشاب: لعلاج الحروق والجروح مسحوق الذهب والنحاس: كمضادات للبكتيريا الحلبة، الحناء، البصل، الكمون، الحشيش، الزنجبيل… وغيرها في مصر القديمة مكانة الطبيب الطبيب في مصر القديمة كان يُعرف بـ "سونو"، وكان له مكانة اجتماعية رفيعة وكان بعض الأطباء يتخصصون في مجالات دقيقة مثل: رأب العظام أمراض العيون (التي كانت شائعة بسبب الرمال والرياح) النساء والتوليد أمراض الباطنة أمراض الفم والأسنان حتى إننا نجد في مقابر بعض الأطباء نقوشًا تدل على التخصص بدقة، مثل: "طبيب الملك في الأسنان"، أو "الطبيب المختص بأمراض المعدة" الطب لم يكن علمًا ماديًا فقط كان الطبيب يكتب التعويذة، ويعد الدواء، ويقيم الطقوس، ويستشير الإله… كل هذا في مزيج من العلم والاعتقاد ولذلك، نجد في كثير من الحالات، وصفات طبية تبدأ بـ: "تعويذة تُتلى سبع مرات، يليها دهن الجرح بهذا الخليط" ويبقى السؤال هنا هل كانت مصر القديمة متقدمة طبيًا فعلًا؟ نعم، والدليل: وجود مستشفيات داخل المعابد مثل معبد كوم أمبو، المخصص للشفاء وجود كُتب طبية متخصصة الاكتشافات الحديثة في المومياوات التي أظهرت: عمليات جراحية ناجحة حشو أسنان آثار لبتر منظم التئام عظام مكسورة لم تكن مصر القديمة فقط حضارة الأهرامات والنقوش، بل كانت أيضًا حضارة الدواء والمعرفة علم الطب كان فيها نابعًا من رؤية متكاملة لا تفصل بين الجسد والنفس، بين الأرض والسماء، بين العلم والإيمان وبينما يعكف العلماء اليوم على دراسة تلك البرديات القديمة، نُدرك أن مصر لم تكتف بأن تكون مهد الحضارة بل كانت أيضًا، يومًا ما، مهد الشفاء.

_1599390662.jpg)