في وقت كانت فيه أغلب شعوب العالم تعيش في بداياتها الحضارية، كانت مصر القديمة تمثل قلبًا نابضًا بالعلم والثقافة والتنظيم. لم تكن الحضارة المصرية مجرد أهرامات ومقابر، بل كانت منظومة متكاملة من الفكر، والإدارة، والمعرفة، ساهمت في تشكيل المفاهيم الأساسية لكثير من العلوم التي نعرفها اليوم التعليم والنظام المعرفي في مصر القديمة أنشأ المصريون القدماء مؤسسات تعليمية مبكرة عُرفت باسم "بيت الحياة"، وهي ما يمكن اعتباره أول نموذج لمراكز التعليم المتخصص. كان هذا النظام تحت إشراف الكهنة، حيث يتم فيه تدريس اللغة الهيروغليفية، والحساب، والطب، والهندسة، والفلك، والدين، والإدارة وكان التعليم موجهًا لأبناء الطبقات العليا، وبالأخص من سيعملون في المناصب الإدارية أو الدينية أو الطبية. الكتبة كانوا يمثلون صفوة المجتمع، لأنهم كانوا مسؤولين عن حفظ وتدوين المعارف الرياضيات والهندسة: أساس البناء والتنظيم المصري القديم استخدم العمليات الحسابية في الحياة اليومية، وفي بناء المعابد والهياكل الضخمة. كانوا بارعين في حساب المساحات والحجوم، خاصة في الزراعة وتوزيع المياه ويُظهر بناء الأهرامات والدقة المتناهية في محاذاتها للنجوم، أن لديهم معرفة هندسية وفلكية متقدمة واستخدموا نظام العد العشري، وعرفوا الكسور، وكان لديهم جداول رياضية لحساب المقادير المختلفة. وكان هذا ضروريًا في تحديد ملكيات الأراضي بعد كل فيضان للنيل الطب المصري القديم: خبرة موثقة قدم المصريون القدماء نماذج متطورة في الطب مقارنة بزمنهم. استخدموا مئات الأعشاب الطبيعية، ووصفوا العشرات من الأمراض، وسجّلوا العمليات الجراحية الصغيرة، وتحدثوا عن صحة القلب، والنبض، والعين، والجلد، وحتى الصحة النفسية برديات طبية شهيرة مثل: بردية إيبرس (تتضمن وصفات لأكثر من 700 حالة) بردية سميث (تركز على الجراحة والإصابات) بردية كاهون (تتناول صحة المرأة) كان الطبيب المصري يلتزم بنصوص طبية مدونة، ولا يعالج المريض قبل فحصه بدقة. كما تم تقسيم التخصصات الطبية مثل: أطباء الأسنان، أطباء العيون، وأطباء الباطنة الفلك والتقويم أبدع المصريون في الفلك، وربطوه بالدين والزراعة. راقبوا النجوم والكواكب، ووضعوا تقويمًا دقيقًا يعتمد على ظهور نجم الشعرى اليمانية (سيريوس) كبداية للفيضان، وبالتالي بداية العام الزراعي قسّموا السنة إلى 12 شهرًا، كل شهر 30 يومًا، وأضفوا 5 أيام احتفالية كما استعملوا الساعات المائية، والساعات الشمسية لقياس الزمن الكيمياء والتحنيط لا يمكن الحديث عن مصر القديمة دون التوقف عند فن التحنيط، الذي يمثل معرفة كيميائية معقدة. استخدم المصريون مواد مثل النطرون، والملح، والزيوت، والراتنجات، لحفظ الأجساد واخترعوا مستحضرات التجميل، وصباغة الأقمشة، وتطوير مواد البناء، وحفظ الطعام، ما يدل على فهم كيميائي تطبيقي متقدم مكتبة الإسكندرية: مركز الفكر العالمي في العصر البطلمي، أصبحت مكتبة الإسكندرية نموذجًا عالميًا للعلم. احتوت على ما يزيد عن 700 ألف لفافة علمية، جمعت علوم المصريين، واليونانيين، والبابليين، والهنود، والفُرس جلب الملوك البطالمة علماء من أنحاء العالم، وشجّعوا الترجمة والنقاش العلمي. يُقال إن المكتبة كانت تهدف إلى جمع كل ما كُتب في العالم وكانت تمثل ما يشبه "جامعة كبرى" قبل ظهور الجامعات بآلاف السنين التأثير على العالم انتقلت المعارف المصرية إلى الحضارات الأخرى الإغريق تتلمذوا على يد المصريين الفلاسفة مثل أفلاطون وفيثاغورس زاروا مصر في العصور الإسلامية، تُرجمت برديات مصرية للغة العربية، وكان لها دور في النهضة العلمية في بغداد ودمشق والأندلس كانت مصر القديمة دولة علم ومنهج، علّمت العالم كيف يكتب، وكيف يداوي، وكيف يبني، وكيف ينظّم وفي وقت لم تكن فيه المدارس ولا الجامعات موجودة، كانت معابد مصر تقدم تعليمًا متقدمًا في علوم شتّى، بطرق موثقة ومنظمة إنها حضارة سبقت زمانها، وتركت إرثًا لا يزال ينبض بالحياة في كثير من المفاهيم التي نعيشها اليوم

_1599390662.jpg)