فلتكن رحلتنا اليوم إلى شارعٍ يحمل بين مبانيه، وأبوابه، وآثاره أسرار وحكايات مرَ عليها زمنٌ طويل. ولعل أبرز هذه الأسرار، ذلك المتعلق بجملة "الذوق ماخرجش من مصر"، وإذا تبادر إلى ذهنك تساؤل حول من يكون هذا الذوق، سيكون جوابنا "العارف بالله سيدي حسن الذوق"، التاجر الذي عُرف بسيرته الحسنة، وكان دائمًا ما يلجأ إليه الناس لحل أية نزاعات تقع بين الفتوات، ونظرًا لأنه كان ذو خُلُق حسن، أطلق عليه المصريون حينها "الذوق". ومنذُ ذلك الوقت، إذا حدث ووقع خلاف بين الفتوات، يخرج أحد المصريين صارخًا "يا جماعة عيب،دا الذوق ماخرجش من مصر"، حيثُ أنه دُفن على بُعد ثلاث خطوات من باب "الفتوح"، الذي يُعد الباب الرئيسي لدخول شارع المعز!
والسر الآخر متعلقٌ بالعبارة المشهورة التي تتردد على ألسنة المصريين، وتتمثل في "هي كوسة"، فقد كانت "الكوسة" كلمة المرور في الأوقات غير المسموح بها من بوابات شارع المعز، حيثُ أن الكوسة من الخضروات التي لا تتحمل الحرارة، وبالتالي إذا لم يُسمح للتاجر بالدخول بها، ستُعفن وبالتالي يخسر أمواله. لذلك أصبحت جملة "هي كوسة" جملة يرددها المصريون اعتراضًا على أي تجاوز أو تعدي للقوانين.
وفيما يخص موقع الشارع وتاريخ نشأته، يقع هذا الشارع، المعروف ب "أكبر متحف مفتوح للآثار الإسلامية في العالم" في منطقة الأزهر بالقاهرة الفاطمية، ويرجع تاريخ إنشاء هذا الشارع العريق إلى عام 969 ميلاديًا، أي منذُ إنشاء القاهرة الفاطمية. سُميَ بهذا الاسم نسبة إلى الخليفة "المعز لدين الله الفاطمي". ويمتد الشارع من باب الفتوح، مرورًا بمنطقة النحاسين، ثم خان الخليلي، ثم منطقة الصاغة، ثم يقطعه شارع الموسكي، ثم شارع الأزهر، مرورًا بمنطقة الغورية، والفحامين، ثم زقاق المدق، والسكرية، لينتهي عند باب زويلة.
وبالنسبة للآثار المرموقة التي يحويها الشارع، سنذكر منها، "جامع الحاكم بأمر الله"، "مسجد الأقمر"، متحف النسيج الذي أنشأه محمد علي باشا الكبير، بقايا مدرسة الظاهر بيبرس البندقداري، حمام السكرية، سبيل وكتاب خسرو باشا، واجهة وكالة نفيسة البيضا، وغيرها.

_1599390662.jpg)